أحمد بن علي القلقشندي
355
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
التعظيم كقول القائل : « أنا جذيلها المحكَّك ، وعذيقها المرجّب » ( 1 ) . ومما يستحسن من وصية أبي تمام لأبي عبادة البحتريّ في الشعر مما لا يستغني الناثر عن المعرفة به ، والنّسج على منواله : لأنه يجب أن يناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام ، ويكون كخيّاط يقدّر الثياب على قدر الأجسام ، وأن يجعل شهوته لتأليف الكلام هي الذّريعة إلى حسن نظمه ، فإنّ الشهوة نعم المعين ، ويعتبر كلامه بما سلف من كلام الماضين ، فما استحسنه العلماء فليقصده ، وما استقبحوه فليجتنبه ، وينبغي أن يعمل السجعات مفرّقة بحسب ما يجود به الخاطر ، ثم يرتبها في الآخر ويحترز عند جمعها من سوء الترتيب ، ويتوخّى حسن النسق عنه التهذيب ، ليكون كلامه بعضه آخذا بأعناق بعض ، فإنه أكمل لحسنه ، وأمثل لرصفه ؛ وأن يجيد المبدأ والمخلص والمقطع ، ويميز في فكره محط الرسالة قبل العمل ، فإنه أسهل للقصد ؛ ويجتهد في تجويد هذه المواضع وتحسينها ؛ ويوضّح معانيه ما استطاع . قلت : وقد سبق في أوّل هذه المقالة في بيان ما يحتاج إليه الكاتب من الأدوات وذكر أنواعها بيان كيفية الاقتباس من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية والاستشهاد بها ، وكيفيّة حل الشعر إلى النثر ، وتضمينه في خلال الكلام المنثور وما يجري هذا المجرى ، فأغنى عن إعادته هنا . وأما بيان ما يستحسن من الكلام المصنوع فقد قال في « الصناعتين » : إن الكلام يحسن بسلاسته وسهولته ونصاعته ، وتخيّر لفظه ، وإصابة معناه ، وجودة مطالعه ، ولين معاطفه ، واستواء تقاسيمه وتعادل أطرافه وتشبّه أعجازه بهواديه ،
--> ( 1 ) هذا القول كما في لسان العرب : 11 / 107 هو لسعيد بن عطارد أو للحبّاب بن المنذر . جذيلها : تصغير الجذل وهو عود ينصب للإبل الجربى ، وعنى بالجذيل هنا الأصل من الشجرة تحتك به الإبل ، فتشتفي به ؛ أي قد جربتني الأمور ولي رأي يشتفى له كما تشفى هذه الإبل الجربى بهذا الجذل ، وصغرّه على جهة المدح . والعذيق : تصغير لعذق النخلة ، وهو تصغير تعظيم والمرجّب : من الترجيب ، وهو إرفاد النخلة من جانب ليمنعها من السقوط . أي إن لي عشيرة تعضدني وتمنعني وترفدني . ( راجع لسان العرب ) .